الاثنين، 17 مارس، 2014

وادي العيون

بواسطة : Abdellah abou bella بتاريخ : 11:18 ص
في سنوات الخير يظهر الخير ، أول ما يظهر ، في وادي العيون ، إذ إضافة الى غزارة المياه التي تملأ الأحواض الثلاثة المحيطة بالنبع ، فان مياه العيون تنحدر الى أماكن لم يكن متوقعا أن تصلها . وفي تلك السنين تزرع الخضرة وتظهر النباتات المختلفة ، خاصة التي تأتي مع الأمطار المبكرة . ويتصرف الناس عامتهم في الوادي بطريقة لا يصدقها المسافرون الذين تعودوا المرور على محطات كثيرة مشابهة ، إذوادي العيون يسرف أهل الوادي في الإلحاح على المسافرين للبقاء فترة أطول ، ويظهرون تعففا زائدا في أن يأخذوا مقابل ما يعطون.
بشر وادي العيون ، إذن ، مثل مياهه : إذا زادوا عن حد معين فلا بد أن يفيضوا ، أن يتدفقوا الى الخارج ، وهذه الزيادة ، الهجرة ، لازمتهم منذ أمد بعيد . فجأة يحسون انهم تكاثروا ، وأن الوادي لم يعد قادرا على إحتمالهم ، ولا بد للشباب القادرين على السفر ، من إكتشاف أماكن جديدة ، ليشدوا الرحال إليها من أجل الإقامة والرزق . إن حالة مثل هذه تبدو خفية غامضة ، وقد لاتتعلق دائما بالأمطار أو المواسم ،كما هي الحال في أماكن أخرى ، إذ رغم المطر الذي قد يأتي في سنة من السنين ، ورغم المراعي التي تحيط بالوادي ،والمياه التي تفيض وتمتد إلى مسافات لم تكن تصلها في أوقات أخرى ، رغم هذه الأشياء جميعها فإن هاجسا ملعونا ينمو بخفاء وبطـء في القلوب.
وهذا الهاجس الذي يحسه الكبار ، لكن يتكتمون عليه ويقاومونه ، ينام وينهض في قلوب الشباب والأمهات ، فيأخذ شكلا حادا عصبيا عند الشباب ، وشكلا حزينا يائسا عند الأمهات . لكن رغبة اكتشاف العالم ، وحلم الغنى " وذلك الحنين إلى شيء ما " يلح على الشباب إلى درجة لايستطيعون معه الصبر أو احتمال نصائح المسنين ، ولذلك يقررون وحدهم ، مهما كانت هذه القرارات قاسية .
لايوجد رجل من الرجال في الوادي ، خاصة في سن معينة ، لم تستول عليه رغبة السفر، وقلما يوجد واحد من المسنين لم يسافر إلى مكان من الأمكنة ، صحيح أن هذه الرغبات والسفرات تتفاوت من حيث المدة والنتائج ، إذ قد تستمر سنوات طويلة ، وقد تمتد فتشمل العمر كله ، وبعضها قد لايدوم أكثر من شهور ، يعود بعدها المسافر خائبا أو ظافرا ، لكنه يعود أيضا مملوءا بالحنين في الحالتين ، ومثقلا بالأفكار والذكريات وحلم السفر مرة أخرى . أما النتائج التي جناها المسافرون من أهل وادي العيون فلا يمكن أن تتلخص بكلمات قليلة ، لأن لكل مسافر مقاييسه وتصوراته ، فالنجاح والفشل ، الغنى والفقر ، لايعنى مفهوما واحدا بالنسبة للجميع .فقد صادف في حالات كثيرة ، أن عاد بعض المسافرين من أهل الوادي ، ورافق عودتهم الكثير الكثير من الأحاديث والأفكار والقصص.
حديث وادي العيون والسفر كلاهما له بداية بالنسبة لأي شخص ، لكن ليس له نهاية . وهذه الحالة يعرفها الكبار والصغار ، وتعودوا عليها وألفوها الى درجة لم تعد تثير أحدا أو تخلق أحزانا لايمكن مقاومتها ، حتى الأمهات اللواتي يردن أن يبقى أولادهن في الوادي ، وأن يستمروا فيه إلى النهاية ، لأنهن يخفن الأمكنة الأخرى ولا يتصورن وجود أمكنة أفضل ، لابد أن يسلمن في فترة من الفترات تسليم العاجز اليائس ، مع أمل أن يعود هؤلاء في وقت من الأوقات ، لكن بعد أن يكونوا قد شبعوا من السفر!
عبد الرحمان منيف . مدن الملح (التيه) . ص ص : 7 – 14 (بتصرف)

* ملاحظة النص واستكشافه :
1- العنوان : تركيبيا : يتكون العنوان من كلمتين تكوننان مركبا إضافيا .معجميا : ينتمي العنوان إلى المجال السكاني  دلاليا : يدل العنوان على مؤشر مكاني : (الوادي : المجرى المائي وسط التضاريس.. – العيون : مفردها عين وهي ينبوع الماء ومصدره)
2- الصورة المرفقة : تنسجم مع العنوان لأنها تمثل صورة لواد تظهر بمحاذاته واحة خضراء مما يدل على توفر مصدر للمياه ، وبجانبها تترآى بضع بنايات من الطين .. وقلتها يوحي بقلة الكثافة السكانية في هذا الوادي..مما يدفعنا إلى التساؤل حول أسباب ذلك..هل بسبب الجفاف؟..أم بسبب الهجرة؟ .. أم بسبب مشكل سكاني آخر.
3- بداية النص: نلاحظ فيها مؤشرات تدل على السرد (مثل : الزمان – المكان – الأحداث) .
4- نهاية النص : نلاحظ فيها ألفاظا وعبارات توحي بالهجرة (مثل : السفر – الأمكنة الأخرى – أمكنة أفضل)
5- نوعية النص : نص حكائي / سردي ذو بعد سكاني

* فهم النص :
1- الإيضاح اللغوي :
- النبع: مصدر الماء وينبوعه  – صخب : السر والدافع الخفي – يتكتمون عليه : يخفونه ويسترونه – تتفاوت : تختلف وتتباين.
2- الحدث الرئيسي :
وصف السارد وادي العيون وسكانه المهووسين بالهجرة

* تحليل النص :
1- أحداث النص حسب تسلسلها :
أ- وصف وادي العيون وخيراته الكثيرة وآثار هذه الخيرات على ساكنيه.
ب- رغم خيرات وادي العيون الكثيرة إلا أن فكرة الهجرة هي التي تسيطر على سكانه وخاصة الشباب منهم.
ج- سرد تاريخ سكان وادي العيون مع الهجرة الذي يتراوح بين النجاح والفشل.
د- تأكيد السارد مدى تعلق سكان وادي العيون بالهجرة.
2- الحقول الدلالية :
الألفاظ والعبارات الدالة على الهجرة
الألفاظ والعبارات الدالة على الهجرة
السفر – يشد الرحال – الأماكن الأخرى – اكتساف العالم … العيون – وادي – الفيضان – النبع – الأحواض…
3- إيقاع السرد :
يحكي السارد بإيقاع سريع لأنه يسترجع حكاية سنوات متعددة من حياة سكان وادي العيون و يختزلها في بضعة أحداث.
4- نوع الرؤية السردية :
الرؤية من الخلف  (أو من الداخل) فالسارد يعرف كل التفاصيل عن الشخصيات بل يتفوق عليها في بعض الأحيان.
* التركيب والتقويم :
يتحدث النص عن قصة سكان وادي العيون مع الهجرة التي تسيطر على عقول معظم الشباب ويعتبرونها هاجسا يستمرمن أجيال إلى أخرى..إذ رغم الخيرات الوفيرة لوادي العيون إلا أن سكانه مهووسين بالهجرة ولا يفكرون إلا في الفترة التي يتركون فيهاأهلهم ويبتعدون نحو أمكنة أخرى.
من حيث الشكل وظف السارد عدة خصائص فنية منها :
- التشبيه : حيث وصف سكان وادي العيون وشبههم بمياههم من حيث الانتقال والهجرة إلى أمكنة أخرى
- التأكيد : حيث كرر بعض الالفاظ  التي لها دلالة في النص للتأكيد عليها
- الفعل المضارع : هيمنة الفعل المضارع تدل على الاستمرار والمواصلة..أي الاستمرار في الهجرة جيلا بعد جيل

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير : حكمات